سياسة

تونس أمام مفترق طرق: هل تنجح الحكومة في استعادة ثقة المواطن؟

تعيش تونس هذه الأيام على وقع تحولات سياسية عميقة، في ظل مشهد يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. فبعد سنوات من الاضطراب السياسي وتعاقب الحكومات، باتت الأسئلة المطروحة على الرأي العام أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل تملك الحكومة الحالية الإرادة الحقيقية لاستعادة ثقة المواطن؟ وما الثمن الذي ينبغي دفعه لإعادة بناء العقد الاجتماعي المتصدع؟

**أزمة الثقة في أعمق مستوياتها**

تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن نسبة كبيرة من التونسيين فقدوا الثقة في المؤسسات السياسية بشكل عام. ولا يقتصر هذا الشعور على فئة دون أخرى، بل يمتد ليشمل الشباب والمهنيين والطبقة الوسطى التي كانت في يوم ما المحرك الأساسي للتغيير السياسي في البلاد.

الأسباب متشعبة ومتداخلة: تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة في صفوف حاملي الشهادات، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، فضلاً عن غياب الشفافية في كثير من القرارات الكبرى. كل هذه العوامل تراكمت لتشكّل جداراً من الإحباط يصعب اختراقه بمجرد خطابات الوعود.

**الرهانات الكبرى أمام الحكومة**

تواجه الحكومة اليوم جملةً من الرهانات الحقيقية التي لا يمكن تجاوزها بالمناورات السياسية. أبرزها ملف الإصلاح الاقتصادي الذي ظل محلّ نزاع بين متطلبات المانحين الدوليين ومطالب الشارع الداخلي. فالمواطن البسيط لا يهمه كثيراً ما تقوله التقارير الدولية عن التوازنات المالية، بقدر ما يشغله سؤال واحد: كيف سأعيش غداً؟

إلى جانب ذلك، يبرز ملف الحريات والفضاء المدني الذي شهد في الفترة الأخيرة توترات واضحة، ما أثار قلق منظمات حقوق الإنسان داخلياً وخارجياً. وهنا يكمن التناقض الجوهري: كيف يمكن بناء ثقة حقيقية في ظل تضيّق مساحة التعبير والمعارضة؟

**صوت الشارع لا يمكن تجاهله**

ما يُميّز المشهد التونسي اليوم هو أن الشارع لم يعد صامتاً. الاحتجاجات الاجتماعية المتفرقة التي تنطلق من مناطق الداخل المحرومة تُعبّر عن غضب حقيقي وليس مجرد استجابة سياسية. هذه الاحتجاجات تقول بصوت عالٍ: نريد حقنا في التنمية، في الكرامة، في المستقبل.

المسألة لا تتعلق بأيديولوجية بعينها، بل بحاجات إنسانية أساسية ظلت معلّقة لعقود. والحكومة التي تنجح في الاستجابة لهذه الحاجات بشكل ملموس وليس بوعود مؤجلة، هي وحدها من سيكسب معركة الثقة.

**خلاصة: الرهان على الأفعال لا الأقوال**

في نهاية المطاف، لن تُبنى الثقة بالخطابات ولا بالإعلانات الرنّانة. المواطن التونسي اليوم أكثر وعياً ونضجاً مما يظنه بعض السياسيين. إنه يراقب، يُقارن، ويحكم على الأفعال. المسار أمام الحكومة طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً — شرط أن تكون الإرادة السياسية حقيقية لا مجرد واجهة للاستهلاك الإعلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى